© 2011 طرفة بن الوردة

في الصحافة



صحيفة الوطن

معلقة قاسم حداد
عبيدلي العبيدلي

بعد أن تصل إلى آخر دور في “دار الرواق”، حيث أطلق مبدعنا الكبير قاسم حداد أحدث أعماله الذي خصصه لتناول سيرة شاعرنا الفحل طرفة بن العبد، لا تستطيع إلا أن تظل أسير علامة استفهام كبيرة تكاد أن تشل تفكيرك عن أي شيء آخر سواها، وتجبرك على أن تأتي بإجابة محددة لها. ما هذا الذي أزور، وبمعروضاته أستمتع؟ بعد فترة ليست بالقصيرة يأتيك الجواب الشافي... أنت أمام معلقة جديدة من معلقات العرب، بما حملته من أكثر من معنى وتفسير، سواء إن أخذت بأنها ما علقه العرب على جدران الكعبة قبل الإسلام من نفيس شعرهم، أو لجأت إلى التفسير الآخر الذي اعتبرها مثل “العقود النفيسة تعلق بالأذهان”. فالمعلقات في اللغة مشتقة من “العِلْق”، وهو “المال الذي يكرم عليك، تضنّ به، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء”. ويروى عن أحد العرب قوله “فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا”، قاصداً “نفائس أموالنا”. ما يثير هذا المشهد في ذهن زائر المعرض، هو أن أعمال قاسم، هي كالمعلقات ملأت جدران صالات عرض طوابق “الرواق” الثلاثة، بـ«بنفائس” قاسم حداد، فتكون بذلك قد عبرت عن المعنيين لتعبير المعلقات، اللذين أشرنا لهما: المجازي والأدبي. وقد أثارت المعلقات الكثير من الجدل في صفوف من تناولوا الأدب العربي في فترة ما قبل الإسلام، من بين أشهرهم عربياً، أديبانا الراحلين طه حسين، وإيليا حاوي، وعالمياً مستشرقون من أمثال بروكلمان، وبلاشير، ونولدكه، الذين اتفقوا على الكثير مما قيل حول المعلقات، من حيث جماليتها، وقدرتها على وصف الحياة العربية بتفاصيلها الدقيقة خلال الفترة التي عايشها من كتب المعلقات، لكنهم اختلفوا عند تحديد أصولها، ومدلولاتها، ومن قرض أبياتها. يمزج حداد في عمله الموسوعي الأخير عن طرفه بن العبد بين مختلف الأشكال الإبداعية، مستعيناً في ذلك بابنته طفول كي تأخذ الجانب البصري، وابنه محمد كي يغطي الجانب السمعي، ويحتفظ لنفسه بالمساحة النصية، وكأنما أراد أن يقول، إنه لو قدر لطرفة أن يكتب معلقته في وقتنا الحاضر، فهو، قاصداً طرفة، بحكم ذوقه الفني الراقي، وبصيرته الرائدة النفاذة، لن يقبل أن يحصرها في الإبداع النصي، بل سوف يصر، تماماً كما أصر اليوم قاسم، على أن يلجأ إلى هذا المزج الإبداعي الثلاثي الأبعاد: النصي، والسمعي، والبصري. بعد أن تغادر المعرض مسرعاً مقاوماً رغبة في البقاء والدوران، تماماً كما كان عليه الحال أيام سوق عكاظ، لكن صعوداً، وهبوطاً، متنقلاً بين لوحات “معلقة قاسم حداد”، على جدران صالات الرواق، متأملاً في النص الذي دونه قاسم بيراعه الخاص، محدقاً في اللقطات التي انتقتها طفول بحذاقة بين مئات الصور التي التقطها أثناء إنجاز قاسم للعمل، تبرز أمامك، للمرة الثالثة، علامة استفهام أخرى كبيرة، ما سر اختيار قاسم لـ«طرفة”، وتماهيه معه، إلى درجة أعمق من التوأمة الجسدية، لدرجة أنه سمح لنفسه بأن ينسبه إلى “الوردة”، نازعاً عنه، وبوعي، وإصرار، كما يبدو صفة العبودية “بن العبد” التي ينسب إليها؟. هل هي سيرة طرفة الذاتية التي عانى فيها من ظلم أعمامه الذين تربى في بيوتهم بعد أن تركه والده وهو مايزال فتى غض العود؟ أم الشجاعة التي حكمت سلوك طرفة، فلم يأبه بأن يمشي نحو الموت كي لا يتهم بالجبن أو الخوف، ولذلك نراه يقرر أن يذهب إلى مكان حتفه بقدميه، وهو ملم بذلك المصير الذي يتربص به؟ بل ربما حكمة طرفة التي كللت العديد من الأبيات التي وردت في معلقته من أمثال: “إذا كنتَ في حاجة ٍ مرسلاً فأرْسِلْ حَكِيماً، ولا تُوصِهِ”؟ أم جرأته التي لم تمنعه من قول جملته المشهورة في نقد الملتمس، حين قال هذا الأخير “وقد تناسى الهم عند احتضاره بـنـاج عـلـيـه الـصيعرية مكدم”، لقد “استنوق الجملة”، أي حول الجمل إلى ناقة، لأنه وصفه بوصف لا يطلق إلا على الناقة. كثيرة هي القضايا التي يثيرها عمل حداد عن “طرفة بن الوردة”، لكن ربما ليس هناك من بوسعه أن يصف العلاقة بين الاثنين، وكما جسدها هذا العمل، أفضل من رفيق قاسم وملازمه في دروبه الوعرة أمين صالح حيث قال واصفاً مسيرة قاسم في إنجاز هذا العمل الموسوعي الضخم، “بدأب نقّاش، بصبر ناسك، ببصيرة راءٍ، يمسكُ القلم وفي حنوّ يخطّ على ورق حنون لا يشاكس ولا يتأفف. ناثراً الحبر، في تناسق، على بياض يخون بياضه أحياناً”. ويبدو أن صالح يكمل ما كان قاسم قد أفصح عنه، حين أرخ لتلك العلاقة بينه وبين طرفة، وفي مرحلة مبكرة من حياته، حين قال، “ربما اتصل ذلك الحلم بالعلاقة الغامضة التي ستنشأ بيني وبين طرفة بن العبد من خلال تاريخ موغل في القدم يجري استعادته وتقمص دلالاته لاحقاً. حيث بدأت بالشعور مبكراً أن لحياتي الراهنة علاقة ما بحياة طرفة بن العبد لمجرد أنه عاش في نفس السديم التاريخي لهذه المنطقة.... عاش طرفة بن العبد في هذا الفضاء ومات باكراً، جئتُ باحتدامي الشعري وفتنة الخيال متصوراً أنني أكمل تلك الحياة: شعور يصدر عن الهجس الشعري والتشظي بين مفهوم رمزي للزمن، واختراق رؤيوي للمكان

العدد 2127 الأربعاء 5 أكتوبر 2011