© 2011 طرفة بن الوردة

في الصحافة



الشاعر البحريني قاسم حداد وطرفة بن الوردة .. تقارب التجربة

سميرة عوض
عمان

Qassim Haddad «هذا كتابٌ يعلَّمَني كثيراً».، هكذا يصف الشاعر البحريني كتابه «طرفة بن الوردة» الذي صدر مؤخرا في نسختين، مطبوعة ومخطوطة يضيف قاسم «هذا كتاب سعيتُ إليه أربعين عاماً وأنجزته في أربع سنوات، وأخشى أن ذلك كله لم يكن كافياً بعد. وحين تكتمتُ على ما كنت أشتغل عليه في المخطوطة، فذلك لأنني لستُ متيقناً مما كنت أصنع، ولم أزل، لستُ مدركاً تماماً ماذا فعلت. وكنت قد أطلعتُ بعض الأصدقاء، أدباء وفنانين، على جانبٍ مما أصنع، لأتثبّت من مواقع أقلامي».

ولعل السؤال الأهم: ما السر في العلاقة بينهما –قاسم حداد وطرفة بن العبد؟ وما الذي جمعهما رغم اختلاف الزمان وتباعد المكان؟ قاسم نفسه يجيب: «الفرق بيني وبينه أنه نَـهَـرَ الحياة باكراً، تجرعَ القدحَ الأعظم وذهبْ، فيما لا أزال أتعثر بحضوره الفاتن في كل نأمة ولمعة ضوء. دون أن تكون المسافة الزمنية حجاباً أو حائلاً أو امتيازاً. لم أتمكن من تفاديه لحظة واحدة. ما إن عرفتُ احتدامه مع قبيلته، ما إن شعرتُ بخروجه عن الخيمة إلى الصحراء، وسمعته يكرز في الكون:

ويختتم قاسم حداد موضحا ومؤكدا: إنها «رفقة تتجاوز الكلمات، رفقة تصقل الحياة. أكثر من هذا، هل هذا اقتراحُ حوارٍ بين حدود النص بوصفه أدباً، وآفاقه بوصفها فناً قابلاً للتجلي في أشكال تعبيرية مختلفة؟
ولكن لماذا يلج قاسم حداد تجربة الرسم، بعد الولع الطويل بفن التشكيل، والتجارب المشتركة مع الرسامين؟
يرد قاسم «تأتي هذه التجربة، باعتبارها سؤالاً، يضعني في مهب المغامرة، ليمتحن الحواس كاملة، ويضاعف المتعة. جاءت هذه التجربة في واحدة من الذروات المنتظرة لتلك الأعمال المشتركة، المتنوعة، المتفاوتة النجاح والفشل، لأكون فيها حراً في الريح .. بأجنحة جديدة.
الأمسية التي أقيمت في غاليري «الرواق» بمنطقة العدلية بالمنامة، تضمنت قراءة شعرية وعرض المخطوطة الفنية وتوقيع كتب المجموعة بمشاركة فوتغرافيا (ابنته) طفول حداد، وموسيقى (أبنه) محمد حداد، ويستمر المعرض حتى 22 تشرين الأول الجاري، وكتاب طرفة بن الوردة» في نسختين، أحدهما مطبوعة، أما النسخة المخطوطة، فهي نسخة أصلية واحدة، بخط الشاعر.

يصف التجربة رفيق دربه الكاتب البحريني أمين صالح في نص عنوانه «مدخل إلى بلاغة التكوين» تحدث فيه عن التقنية التي استخدمها حداد، وواصفا تجربة طفول، ومحمد مع والدهما الشاعر، بقوله: «بدأب نقّاش، بصبر ناسك، ببصيرة راءٍ، يمسكُ القلم وفي حنوّ يخطّ على ورق حنون لا يشاكس ولا يتأفف.. ناثراً الحبر، في تناسق، على بياض يخون بياضه أحياناً، كأنه يمزج الليل والنهار في أفقٍ يتدلى كالثوب، أفقٍ لا يحكمه غير شاعر يعرف خبايا الكلمات لكن يجهل سرائر الكائنات، ولا يحتكم إليه – إلى هذا الأفق الذي يربك نفسه بتحولاته الدائمة - غير حالم يبعثر صوره لتكون علامات غامضة يستدلّ بها حالمون غامضون يأتون بعده..

مموّجاً الحروف لتركض على السطح الحيّ برشاقة الريح، غير عابثة وغير طائشة، لكن خالقةً حركتها الخاصة وإيقاعها الخاص، تصهل وتصيخ مأخوذةً بالأصداء.. وهو، مثل سائس المصائر الخفيّة، يرنو مأسوراً إلى حروفه التي صارت تنتحل أشكالاً ما خطّط لها ولا تنبأ بها..
تاركاً لكائناته الجهاتَ كي تسرح في تضاريسها، وبين تخومها تهبّ – هذه الكائنات - على بقاع لا تنتسب إلى تاريخ ولا إلى خرافة ولا إلى جغرافيا، لكن قد تتقمّص – هذه البقاع – ما تشاء من أقنعة ومن تآويل. تاركاً لها حرية الماء وسخاء الرمل وفضول المطر.
هذا ما يفعله الشاعر قاسم حداد مع مخلوقاته، مع ما ورثه وما ابتكره من صور وكلمات.. وحيداً مثل حالم يتمنى أن يتقاسم الجميع حلمه.
بعدسةٍ تمجّد الفضول والتطفّل، بعينٍ آلية تخترق المسافة لتجمّد الزمن وتعطّل الحركة وتعتقل المكان، بعينٍ بشرية ترصد – في حساسية فائقة – بلاغةَ الإيماءة وفتنةَ التكوين، بحسّ رهيف يستشف مكامن الجمال في لمحةٍ، بزوايا زاخرة بالتنوّع تطل منها روحٌ طليقة تنحاز إلى الفن وحده فلا تُخبر ولا توثّق إنما تبدع..

ترافق طفول حدّاد أباها الشاعر في رحلة الخط من دفترٍ إلى دفتر، من فضاء احتله الحبر إلى فضاء أبيض بكر سيحتله الحبر بعد قليل، دليلها ضوء وظل توأمان، معهما تتناغم الصور وتتجمّل..
تصوّر طفول أباها وهو عاكف مع أوراقه وأقلامه وريشه وحبره ورائحة قهوة بعيدة، يخطّ، يرسم، يشكّل، يناوش حرفاً هنا ويدغدغ كلمةً هناك. يضحك مرّةً ويستغرق مرات – جاداً وصارماً - في مهمة كأنها الأخيرة..
تتابع طفول أباها حركةً حركةً، نفَساً نفَساً، تحيطه بحنانِ الضوء ودفءِ الظل، تراه يسهر ويهدهد ويشغف ويشتهي أن يشاطره الجميع حلمه الذي عبَر به من إقليم الرمل إلى إقليم الثلج.
عندما تفيض صور هذه الموهوبة على الملأ، عندما تعرضها عليك صورةً صورةً، فإنها لا تفعل ذلك كي تذهلك أو تدهشك أو تحرّك مشاعرك فحسب.. بل أيضاً لكي تجعلك تبكي غبطةً».