© 2011 طرفة بن الوردة

في الصحافة



بعيداً عن الأوهام والأساطير التي لحقت به..سيرة طرفة بن العبد في إشراقات شعرية

اختار الشاعر البحريني قاسم حداد سيرة شاعر جاهلي هو طرفة بن العبد(539 -564) كي يستعيد لعنة الشعر التي أنهت حياة صاحب واحدة من أجمل المعلّقات في الشعر الجاهلي. هكذا أمضى عاماً كاملاً في برلين متفرّغاً للكتابة.

غاص صاحب «مخفوراً بالوعول» في المخطوطات والمراجع والنصوص، ليلتقي «مواطنه» البعيد، متجاوزاً الكثير من المغالطات والأوهام السائدة عن صاحب «لخولة أطلال ببرقة تهمد/ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد». ‏

هذه التجربة الاستثنائية خرجت إلى النور أخيراً، تحت عنوان «طرفة بن الوردة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت)، في نسختين، مطبوعة ومخطوطة: نسخة أصلية واحدة، بخط الشاعر، مكتوبة في 12 كتاباً: ‏

كتاب الفصول: «الأناشيد - التحولات- الاشراقات»- 51 ورقة - كتاب «الصحراء والبحر» ، ‏ عشرة كتب مخطوطة في دفاتر فنية بأوراق مصنعة يدوياً. ‏

وقد كتب الشاعر أمين صالح مقدّماً هذه التجربة بقوله: ‏
(بدأب نقّاش، بصبر ناسك، ببصيرة راءٍ، يمسكُ القلم وفي حنوّ يخطّ على ورق حنون لا يشاكس ولا يتأفف). ‏
ناثراً الحبر، في تناسق، على بياض يخون بياضه أحياناً، كأنه يمزج الليل والنهار في أفقٍ يتدلى كالثوب، أفقٍ لا يحكمه غير شاعر يعرف خبايا الكلمات لكن يجهل سرائر الكائنات، ولا يحتكم إليه - إلى هذا الأفق الذي يربك نفسه بتحولاته الدائمة - غير حالم يبعثر صوره لتكون علامات غامضة يستدلّ بها حالمون غامضون يأتون بعده». ‏

ويضيف «مموّجاً الحروف لتركض على السطح الحيّ برشاقة الريح، غير عابثة وغير طائشة، لكن خالقةً حركتها الخاصة وإيقاعها الخاص، تصهل وتصيخ مأخوذةً بالأصداء.. وهو، مثل سائس المصائر الخفيّة، يرنو مأسوراً إلى حروفه التي صارت تنتحل أشكالاً خطّط لها ولا تنبأ بها.. تاركاً لكائناته الجهات كي تسرح في تضاريسها، وبين تخومها تهبّ - هذه الكائنات - على بقاع لا تنتسب إلى تاريخ ولا إلى خرافة ولا إلى جغرافيا، لكن قد تتقمّص - هذه البقاع - ما تشاء من أقنعة ومن تآويل. تاركاً لها حرية الماء وسخاء الرمل وفضول المطر. هذا ما يفعله الشاعر قاسم حداد مع مخلوقاته، مع ما ورثه وما ابتكره من صور وكلمات.. وحيداً مثل حالم يتمنى أن يتقاسم الجميع حلمه». ‏

كلما أوغل قاسم حداد في قراءة أشعار طرفة بن العبد وسيرته الملتبسة، وخصوصاً لجهة مقتله الغامض يكتشف منطقة شعرية جديدة تنسف طمأنينته في تظهير صورة حقيقية وملموسة لهذا الشاعر الملعون، بعيداً عمّا لحق بها من أساطير وأوهام وتزوير. لعله أراد ردمَ المسافة بين الصورة المتخيّلة لشاعر الأمس المولود في «دلمون»، وصورة شاعر اليوم الذي يعيش فوق الأرض نفسها. ‏

الإقامة الإبداعية التي استغرقت عاماً كاملاً في برلين بمنحة تفرّغ من «الأكاديمية الألمانية للتبادل الثقافي»، عاشها صاحب «أيقظتني الساحرة» (2004)، بصحبة طرفة بن العبد متوهماً شبح الشاعر المقتول. هكذا، راح يستعيد نصوصه، ويشتبك مع سيرته، محاولاً تفكيك عناصرها، على نحو مختلف، عمّا دوّنه الرواة . وإذا به يجد نفسه في مهب أسئلة وشكوك تتعلق بتجربة هذا الشاعر، لتصل - في النهاية - إلى شكوك بالتاريخ الثقافي لكلّ ما كان يُسمَّى الشعر الجاهلي، وخصوصاً تاريخ ملوك الحيرة. يوضح قاسم حداد: «كانت شكوكي في محلها حول أسطورة طرفة بن العبد، وما طالها من تحريف، إن لجهة شعره أو أسباب موته. الروح التي تنضح بها معلّقة طرفة بما فيها من تجربة وحكمة، تتناقض مع الروايات التاريخية عنه. هناك طرفة آخر، مختلف تماماً، لم تُحسن هذه الروايات إزاحة اللثام عن جوهر شعره بدلالاته البالغة الغنى والتنوّع». «طرفة بن الوردة» كما يحلو لشاعرنا أن يكنّيه - نسبة إلى والدته - فتح نص قاسم حداد على مسالك متشعبة. هذا النصّ، عدا عن أنّه تحية شخصية لشاعر استثنائي كان إحدى المرجعيات التي تقاطعت مع تجربة قاسم في مراحلها المختلفة، ينهض أيضاً على عناصر شعرية وسردية وبصرية، لم تكتمل ملامحها بشكلها النهائي. الاضطراب والحيرة سمتان رافقتا الشاعر البحريني المعروف خلال اشتغاله على سيرة طرفة، وتالياً اكتشافاته المتجددة في الشعر الجاهلي وجمالياته الفريدة، والنبش في المخبوء واللامرئي في هذا الشعر. «هذه التجربة وضعتني في مهب شعري جديد وغامض، قادني إلى ممارسة حريتي في إعادة تركيب حياة طرفة بن العبد باعتبارها تجربة شعرية بالأساس… إضافة إلى لذّة الكتابة التي سيعيشها القارئ بالمتعة والإغراء ذاتهما». ‏

ويعترف صاحب «عزلة الملكات» (1992)، بأن هذا المشروع أخذه بعيداً، لجهة اللغة والأسلوب وزاوية النظر الشعرية. «قراءتي الجديدة للشعر الجاهلي، وحواري العميق معه، فتح أمامي أفقاً نوعياً في الكتابة، وصقل تجربتي إلى حد بعيد». لن نجد في نص قاسم حدّاد إذاً، سيرة ذلك الشاعر الذي ذهب إلى حتفه طمعاً بدنانير عمرو بن هند، ملك الحيرة، وهو الذي هجاه مراراً: «هناك، من دون شك، استخفاف في الرواية المتداولة عن قتل طرفة، تبعاً لمواقف القبائل المتناقضة، ما أسهم في التباس الرواية، وتغييب الحقيقة. لنقل إن التاريخ كله مشبوه ومزوّر، فما بالك بالتاريخ الثقافي؟» يقول. ‏

سيذهب النص مرغماً ربما، إلى علاقة الشاعر بالبلاط، وموقف الشاعر من السلطة، في الأمس واليوم… ويمضي في تركيب حياة مشتهاة لهذا الشاعر، خلال البحث والتحديق في موته المبكر: «لقد ترك سؤالاً معلّقاً، وكنت أحاور هذا السؤال من وجهات نظر متباينة، أو لعلني كنت أثأر لطرفة بن العبد من الظلم الذي لحق به، وبشعراء آخرين، ومحاولة استكمال وترميم ما لم يكتبه خلال حياته الخاطفة، لذلك كنت أهدم الزمان والمكان معه، في أقصى تجليات المتعة»: ‏

«عطرٌ أنا ‏
وكل حديقة مني ستأخذ لونها ‏
وتصير مثل اللغز في الأسوار ‏
هذا الرمز لكن الغموض نوافذ مفتوحة ‏
كالجمر نحو النار ‏
تيجان من الكلمات، كل مغامر يختار ‏
تاج الغار أو تاجاً من الأزهار». ‏

الشغف هنا لايتوقف عند حدود نصٍ واحد، بل يتدفق على مدار تجربة طويلة. يقول قاسم حداد «كنت أعود إليه كمن يلجأ إلى عزاء يخفف عليه واقع القبيلة وظلم ذوي القربى والغربة الكونية الكثيفة. وفي كل مرة كان طرفة يتوهج في روحي مثل جوهرة تزداد جمالاً كلما صقلتها التجارب. (في غمرة زياراتنا لذخائر النبيذ في بوردو اكتشفت أن النبيذ هو الكائن الوحيد الذي يزداد أصالة وجمالاً وإخلاصاً كلما نسيته، وهو لا يغضب عليك إذا بالغت في نسيانه).

طرفة بن العبد منح النبيذ مجداً عندما انتخبه خاتمة لأسطورته الفذّة وبوابة لنجاته. نبذته المؤسسة فلم يعد يتذكرها أحد لولا الشاعر الذي يزداد (حضوراً) كلما خرج شخصٌ على القبائل المعاصرة. عندما أعلنوا أنهم يعدون له احتفالاً جديدا، وضعت قلبه في قلبي رأفة بصديق لم يزل غريباً. الشاعر لا يعبأ بالاحتفالات وهو حيّ، فما هي حاجته لاحتفال متأخر إلى هذا الحد. أذكر أنني كتبت ذات نص عن العرب المولعين بتقديس الموتى. وها هي المؤسسة التي خرج عليها طرفة تعد له اعتذاراً متأخراً. المؤسسة العربية ذاتها (التي تفتك بكائن لا يزال يخرج عليها) تدبر تبجيلاً مرتبكاً لشاعر فتكتْ به حياً، فهل تنوي إعادة الفتك به قتيلاً. كأنهم يعلنون شكرهم للشاعر لكونه... ميتاً».

المصدر: تشرين
الاثنين 26 أيلول 2011