© 2011 طرفة بن الوردة

طرفة بن الوردة .. تقريباَ

قاسم حداد

1

طرفة بن العبد،

الفرق بيني وبينه أنه نَـهَـرَ الحياة باكراً، تجرعَ القدحَ الأعظم وذهبْ، فيما لا أزال أتعثر بحضوره الفاتن في كل نأمة ولمعة ضوء. دون أن تكون المسافة الزمنية حجاباً أو حائلاً أو امتيازاً. لم أتمكن من تفاديه لحظة واحدة. ما إن عرفتُ احتدامه مع قبيلته، ما إن شعرتُ بخروجه عن الخيمة إلى الصحراء، وسمعته يكرز في الكون :

(وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة..)

حتى أحسستُ بذلك السر الغامض ينسرب في شرايين روحي وتفاصيل حياتي الباقية، ويبدأ في صياغة مكبوت العديد من قصائدي، التي جَهَرَتْ بتقاطعها الحميم مع "طرفة بن العبد"، كتابة وتجربة، وتلك النصوص التي استبطنته أو تقمصته، أو تلك التي وضعته تعويذةً في الحل والترحال، شعراً ونثراً ومضاهاة. كلما تقدم بي العمر والتجربة، أصبح هذا الكائن الغامض البعيد أقرب إليّ من حبل الوريد، لا أتنازل عنه، لا أنكره، وليس لي سلطة عليه، فيما سطوته الغريبة عميقة ودالّة في روحي وحبري. رافقني "طرفة بن العبد" في الحانة والزنزانة، واقتسمتُ معه النص والشخص، في المتن والهامش والحاشية. لم أنجز كتابةَ إلا وكان له فيها حصةُ القرين. لم يعد ممكناً توصيف الحدود بيننا إلا بالقدر الذي يتسنى للسيف أن يمر على مسافة الروح والجسد بلا دمٍ ولا فضيحة. رفقة تتجاوز الكلمات، رفقة تصقل الحياة.

2

هذا كتاب سعيتُ إليه أربعين عاماً وأنجزته في أربع سنوات، وأخشى أن ذلك كله لم يكن كافياً بعد. وحين تكتمتُ على ما كنت أشتغل عليه في المخطوطة، فذلك لأنني لستُ متيقناً مما كنت أصنع، ولم أزل، لستُ مدركاً تماماً ماذا فعلت. وكنت قد أطلعتُ بعض الأصدقاء، أدباء وفنانين، على جانبٍ مما أصنع، لأتثبّت من مواقع أقلامي.

3

بعد الولع الطويل بفن التشكيل، والتجارب المشتركة مع الرسامين، تأتي هذه التجربة، باعتبارها سؤالاً، يضعني في مهب المغامرة، ليمتحن الحواس كاملة، ويضاعف المتعة. جاءت هذه التجربة في واحدة من الذروات المنتظرة لتلك الأعمال المشتركة، المتنوعة، المتفاوتة النجاح والفشل، لأكون فيها حراً في الريح .. بأجنحة جديدة.
لكن دون أن أعرف، على وجه التعيين، ماذا أريد، هل هو بحثٌ عن الشيء الفني، أم هو السعي الحثيث إلى خلق الشيء الفني مجدداً؟ هل ثمة رغبة مضمرة في بلورة منظومة من المفاهيم الفنية المتصلة بالعلاقات الغامضة الملتبسة بين رؤية الإبداع وشكله؟ بين موضوع / مضمون النص ولغته وأدواته؟ أكثر من هذا، هل هذا اقتراحُ حوارٍ بين حدود النص بوصفه أدباً، وآفاقه بوصفها فناً قابلاً للتجلي في أشكال تعبيرية مختلفة؟
لا أعرف.

4

هذا كتابٌ يعلَّمَني كثيراً.

***