© 2011 طرفة بن الوردة

مدخل إلى بلاغة التكوين

أمين صالح

بدأب نقّاش، بصبر ناسك، ببصيرة راءٍ، يمسكُ القلم وفي حنوّ يخطّ على ورق حنون لا يشاكس ولا يتأفف..
ناثراً الحبر، في تناسق، على بياض يخون بياضه أحياناً، كأنه يمزج الليل والنهار في أفقٍ يتدلى كالثوب، أفقٍ لا يحكمه غير شاعر يعرف خبايا الكلمات لكن يجهل سرائر الكائنات، ولا يحتكم إليه – إلى هذا الأفق الذي يربك نفسه بتحولاته الدائمة - غير حالم يبعثر صوره لتكون علامات غامضة يستدلّ بها حالمون غامضون يأتون بعده..

مموّجاً الحروف لتركض على السطح الحيّ برشاقة الريح، غير عابثة وغير طائشة، لكن خالقةً حركتها الخاصة وإيقاعها الخاص، تصهل وتصيخ مأخوذةً بالأصداء.. وهو، مثل سائس المصائر الخفيّة، يرنو مأسوراً إلى حروفه التي صارت تنتحل أشكالاً ما خطّط لها ولا تنبأ بها..
تاركاً لكائناته الجهاتَ كي تسرح في تضاريسها، وبين تخومها تهبّ – هذه الكائنات - على بقاع لا تنتسب إلى تاريخ ولا إلى خرافة ولا إلى جغرافيا، لكن قد تتقمّص – هذه البقاع – ما تشاء من أقنعة ومن تآويل. تاركاً لها حرية الماء وسخاء الرمل وفضول المطر.

هذا ما يفعله الشاعر قاسم حداد مع مخلوقاته، مع ما ورثه وما ابتكره من صور وكلمات.. وحيداً مثل حالم يتمنى أن يتقاسم الجميع حلمه.

بعدسةٍ تمجّد الفضول والتطفّل، بعينٍ آلية تخترق المسافة لتجمّد الزمن وتعطّل الحركة وتعتقل المكان، بعينٍ بشرية ترصد – في حساسية فائقة – بلاغةَ الإيماءة وفتنةَ التكوين، بحسّ رهيف يستشف مكامن الجمال في لمحةٍ، بزوايا زاخرة بالتنوّع تطل منها روحٌ طليقة تنحاز إلى الفن وحده فلا تُخبر ولا توثّق إنما تبدع..
ترافق طفول حدّاد أباها الشاعر في رحلة الخط من دفترٍ إلى دفتر، من فضاء احتله الحبر إلى فضاء أبيض بكر سيحتله الحبر بعد قليل، دليلها ضوء وظل توأمان، معهما تتناغم الصور وتتجمّل..
تصوّر طفول أباها وهو عاكف مع أوراقه وأقلامه وريشه وحبره ورائحة قهوة بعيدة، يخطّ، يرسم، يشكّل، يناوش حرفاً هنا ويدغدغ كلمةً هناك. يضحك مرّةً ويستغرق مرات – جاداً وصارماً - في مهمة كأنها الأخيرة..
تتابع طفول أباها حركةً حركةً، نفَساً نفَساً، تحيطه بحنانِ الضوء ودفءِ الظل، تراه يسهر ويهدهد ويشغف ويشتهي أن يشاطره الجميع حلمه الذي عبَر به من إقليم الرمل إلى إقليم الثلج.

لا تستخدم الكاميرا كمرآة، لذا هي لا تعكس ما تراه بل ما تتخيله، أو ما تشتهي أن يكون. الواقع المجرّد لا يثيرها، لا يغويها. إلا إذا تلاعبت به جمالياً، عندها يجد الواقع تعبيره الأصدق والأغنى. وبالنتيجة، هي لا تصور أباها الشاعر فحسب لكن أيضاً كل مبدع يكرّس نفسه ووقته لفعل الخلق.
تستدرج – هذه الموهوبة – الأشياء وما يقع في مدى البصر لتأسر أطيافها في نطاق البؤرة. صورها، مثل عمرها، تراوغ الزمن فلا يمسّها بخيوطه. وآن توجّه نحوك عدستها، فإنها ترشّحك للخلود، وتجعلك ترى أن حضورك هو الحضور الأجمل.

عندما تفيض صور هذه الموهوبة على الملأ، عندما تعرضها عليك صورةً صورةً، فإنها لا تفعل ذلك كي تذهلك أو تدهشك أو تحرّك مشاعرك فحسب.. بل أيضاً لكي تجعلك تبكي غبطةً.

***